ابن ميثم البحراني
348
شرح نهج البلاغة
يكون استعار لفظ الرصد لهذه الشهب المحسوسة ورشّح بذكر النقاب إذ شأن الرصد والحرسة حفظ الفرج والأبواب ، ويكون سرّ ذلك ووجه الحكمة فيه أنّ العرب كانت تعتقد أنّ الشياطين تصعد إلى السماء فتسترق الغيب من الملائكة ثمّ تلقيه إلى الكهنة والسحرة ونحوهم فلمّا آن دور الستر والنهى عن التكهّن ونحوه لما بيّنا فيه من فساد أذهان الخلق وصرف قلوبهم عن غرض الشريعة ألقى الوحي إليهم أنّ هذه الشهب الَّتي تنقضّ إنّما جعلت رجوما للشياطين مسترقي السمع كلّ من استمع منهم رمى بشهاب منها وحجبت السماوات عنهم فلا يصلون إليها لينغرس في أذهان الخلق انقطاع مادّة الكهانة ونحوها فنسبوا اعتقادهم فيه فيكون ذلك كسرا لأوهامهم الَّتي بيّنا أنّها شياطين النفوس وقمعا لها . وباللَّه التوفيق . وقوله : وأمسكها من أن تمور في خرق الهواء بأيده وأمرها أن تقف مستسلمة لأمره . أي حفظها عن أن تحرّكها الريح المخترعة فيها مجيئا وذهابا وحكمت الحكمة الإلهيّة عليها بالاستقرار انقيادا لقهره ، والأمر الأوّل إشارة إلى حكم القضاء ، والأمر الثاني إشارة إلى اعتبار القدرة . وقوله : وجعل شمسها آية مبصرة لنهارها وقمرها آية ممحوّة من ليلها . كقوله تعالى « وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ والنَّهارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ وجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً » ( 1 ) وكونهما آيتين : أي لدلالتهما على كمال قدرته ، ونقل عن أئمّة التفسير في إبصار آية النهار ومحو آية الليل وجوه : أحدها : أنّ إبصار آية النهار هو بقاء الشمس بحالها وتمام ضيائها في كلّ حال ، ومحو آية الليل هو اختلاف أحوال القمر في إشراقه ومحاقه بحيث لا يبقى ليلتين على حالة واحدة بل كلّ ليلة في منزل بزيادة أو نقصان . الثاني : ما نقل أن ابن الكوّاء سئل عليّا عليه السّلام عن اللطخة الَّتي في وجه القمر فقال : ذلك محو آية الليل . الثالث : عن ابن كثير : أنّ الآيتين هما ظلمة الليل وضياء النهار ، والتقدير
--> ( 1 ) 17 - 13 .